غزة
… تكشف حقائق
وترسخ أخرى
الحروب والأحداث
الجسام تعيد تأكيد حقائق معروفة وتكشف عن أخرى، وتساهم في تشكيل مفاهيم وقناعات
جديدة، وقد تهيئ لتغييرات لاحقة وجذرية وإن لم تبدو مرئية وقت وقوع تلك الأحداث.
ولعل مجازر غزة ووقائعها الدامية ليست استثناء، فستكون لتلك الأحداث تداعياتها
كبيرة في المستقبل المنظور والبعيد.
في حربي العراق وحرب لبنان ومجازر غزة، نلحظ إصرارا على إظهار نزعة تدميرية كبيرة
تستهدف البنى التحتية ولا تستثنى المدارس والمؤسسات المدنية والمساجد. وكأن هذا
السلوك العنصري يريد تكريس الفوقية التي تريد أن تقول للعرب والمسلمين إنكم
بأطفالكم ونسائكم مجرد أرقام نلهو بها ومعها من خلال أخر ما وفرته لنا التكنولوجيا
والتي تتخلفون فيها عنا. من المؤسف أن بعض المسؤولين المصريين والعرب والفلسطينيين
ممن شاركوا بالعدوان على غزة من خلال تبريره بحديث الإفك عن صواريخ المقاومة،
يريدون ترسيخ تلك الفوقية الأمريكية والإسرائيلية في التعامل معنا، فراحة المحتل
الإسرائيلي ورفاهيته أهم من شلالات الدماء وأشلاء أطفال غزة وأمهاتهم.
مجزرة غزة هي الرد الإسرائيلي العملي على تهافت العرب وعلى مبادرتهم السلمية، وهي
نموذج عملي للشرق الأوسط الجديد والذي يراد لإسرائيل أن تكون فيه السيد المطاع
والحاكم بأمره. فجميع مفاوضات السلام والمبادرات الدولية تتعامل بعنصرية مع
الفلسطيني، والذي عليه واجب حماية المحتل مقابل دولة مسخ لا جيش لها ولا معدات
عسكرية فيها ، فيما تتعامل بتبجيل مع دولة الاحتلال والتي تمتلك السلاح النووي
وتقابل إي إزعاج أو إيذاء لها ببراكين من النيران والمجازر، كما يجري الآن في غزة.
الموقف الأمريكي والغربي من محرقة غزة يعطي برهانا إضافيا وصارخا على افتقار ساسة
الغرب في مجملهم للأخلاق والقيم، هذه السلوكيات غير المستقيمة لم نكن نحن فقط من
ضحاياها بل وشاركتنا في تحمل آثار بؤسها الشعوب الغربية والتي تعاني الآن من أزمات
مالية واقتصادية سببها الرئيس اهتزاز الأبعاد الأخلاقية في الحياة العامة. أبحث عن
لويس أوكامبو والذي يريد أن يحاكم الرئيس البشير من أجل تجاوزاته في دارفور، فلا
أجد للرجل الصاخب حضورا فيما يقع على غزة. وفيما يصر أوكامبو أن عنده أدلة ضد
البشير جمعها بعناء وجهد، ربما كما فعلت إدارة بوش مع أدلة أسلحة الدمار الشامل في
العراق، فإن أدلة مجزرة غزة كثيرة ومتوفرة وعلى الهواء مباشرة، بل ويتبجح بها
الصهاينة.
غزة بأطفالها ونسائها وشيوخها تصمد أمام أقوى جيش في المنطقة في معركة العين
والمخرز، والاحتلال والمقاومة، والهمجية والمبادئ السامقة. صمود غزة أحرج المتواطؤن
وأعاد للقضية الفلسطينية وهجها وتألقها بعد أن لوثها مفاوضون بعناق الجلاد وبتقبيله
وبمفاوضاتهم العبثية. دماء أطفال غزة وأشلاؤهم حركت الشارع العربي والذي ظن كثيرون
أنهم أماتوه بفضائياتهم وبمجونها الذي أرادوا له أن يغزو عقولنا وبيوتنا.
المجزرة فضحت السلطة الفلسطينية وأظهرتها بمظهر الحليف المتواطئ مع آلة القتل
الصهيونية، من خلال تصريحات مشبوهة من رموزها تبرر عمليات الإبادة وتتفهمها. وهاهي
السلطة تتراجع مع صمود غزة، ويطلب رئيسها عباس بوقف جميع الحملات الإعلامية بحق
الصامدين، ويعلن أنه سيسافر لنيويورك للحصول على قرار أممي بوقف إطلاق النار ولن
يعود من غيره. ربما يريد أبومازن الفرار وعدم العودة لفلسطين لأنه يشعر بأن شعبه في
الضفة قد ينتفض عليه. الفشل العربي الرسمي عن القيام بأي دور تجاه محنة غزة يعد
ضربة كبيرة لعباس في المقام الأول، فالرئيس الذي تنتهي ولايته بعد أيام، يستمد
شرعيته ب



















