فلنمزّق أوهام الصحة و الرشاقة و الوسامة

يوليو 10th, 2009 كتبها عماد حيدر نشر في , فلنمزّق أوهام الصحة و الرشاقة و الوسامة, مقالات

فلنمزّق أوهام الصحة و الرشاقة و الوسامة

د. علي الحمادي

لقد شاءت إرادة الله سبحانه و تعالى أن يبتلي البشر، فمنهم من هم أصحاء أقوياء، ومنهم من هم مبتلون بإعاقات في أجسامهم ?وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ? .

ولكن كيف ينظر الإنسان إلى هذا الابتلاء الذي أصابه، هل يصبر و يرضى بقضاء الله أم يتذمر و يتحسر؟

فعن أبي يحيى صهيب بن سنان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجباً لأمر المؤمنين إن أمره كله له خير، و ليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، و إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له".

إن على العاقل إذا ابتلي في جسده أن يحمد الله و يصبر، و أن يحاول التعامل مع الحياة والتأثير فيها بروح معنوية و إيمانية عالية، لا أن يستسلم لتلك الإعاقة التي ألمت به.

ومن المحزن أن يُطلق على المبتلين تسمية (المعاقين) ثم يتركوا دون اهتمام بهم أو استثمار لهم ليكون لكل واحد منهم دوره في العطاء والتأثير في الحياة.

لقد استطاع كثير من المعوقين وممّن لم يتّصفوا بالرشاقة و الوسامة وكمال الجسم أن يُبدعوا في علوم متنوعة، وأن يصنعوا التاريخ، وأن يؤثّروا في واقعهم الذي يعيشونه، ويحسنُ بي هنا أن أدلّل على ما أقول كي لا يكون الكلام مجرد عبارات فضفاضة لا رصيد لها من التاريخ و الواقع.

- مبتلون في أجسادهم صحّحوا أجساد الأمم:
فهذا الأحنف بن قيس كان أعرجاً، أعوراً، متراكب الأسنان، صغير الرأس، مائل الذقن، قصير القامة، بارز الوجه، منخسف العينين، ومع كل هذه التشوهات الخَلْقية إلاَّ أنه كان عملاقاً بالغ التأثير حتى وصفه الجاحظ بأنّه: أبين العرب و العجم قاطبةً. و قال عنه الحسن: ما رأيت شريف قوم كان أفضل من الأحنف، وكان إذا غضب غضب له مائة ألف لا يسألونه فيما غضب. و قد كان خطيباً مفوّهاً و حكيماً عاقلاً.

و هذا ابن أم مكتوم، عبد الله بن قيس العامري رضي الله عنه، و أمه أم مكتوم، و هي عاتكة بنت عبد الله المخزومية، من السابقين المهاجرين، وكان ضريراً، و مع هذا كان مؤذّناً لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع بلال بن رباح وسعد القرظ و أبي محذورة، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يحترمه، و قد استخلفه مرّتين على المدينة.

وكان رضي الله عنه يغزو و يقول: "ادفعوا إليَّ اللواء فإني أعمى لا أستطيع أن أفر و أقيموني بين الصفين" و قد روى قتادة عن أنس أنََّ عبد الله بن أم مكتوم كانت معه راية سوداء يوم القادسية.

أما إبان بن عثمان فقد كان به صمم و حَوَل و برص و أصابه الفالج، و لكنه كان من فقهاء المدينة العشرة المشهورين، كما إنّه كان من كبار علماء الحديث و الفقه في زمانه.

و قد كان محمد بن سيرين أصماً، إلاَّ أنّه كان فقهياً عالماً ورِعاً أديباًَ، قال عنه الشعبي: عليكم بذلك الأصم. وقال عنه الأصمعي: إذا حدّث الأصم بشيء فاشدد يديك به.

و صدق مُبَشِّر بن الهذيل حين قال:
ولا خير في حُسن الجُسوم وطولها
إذا لم يزن حُسن الجُسوم عقولُ
فكائِنْ رأيْنَا من فروع طويلة
تموت إذا لم يحيهنَّ أصولُ

- العظيم يصنع عصره و لا يصنعه عصره، و إذا قعد به جسمه سما به فكره:
هذا هو الشيخ أحمد ياسين الذي لا يتحرك فيه إلاَّ رأسه استطاع من على كرسيه المتحرك أن يقود الانتفاضة الفلسطينية المباركة، وأن يزلزل الأرض تحت أقدام اليهود، وأن يكون رمزاً للصمود و التضحية و الجهاد و العزّة و الكرامة.

و صدق الرسول صلى الله عليه وسلم

المزيد





free counters 

 28\ 07\2009