معركة
غزة..
تغيير استراتيجى في قدرة
المقاومة
يمكن القول باطمئنان عقلي وقلبي وعلمي، أننا أمام نقلة نوعية من الوزن الاستراتيجي
في أداء المقاومة الفلسطينية ودورها في المواجهة والمعركة من اجل تحرير فلسطين
،وأننا أمام تغيير في التوازنات بين المقاومة ،بما يحقق بداية انطلاق مرحلة جديدة
من مراحل الصراع مع وجود الكيان الصهيونى على الارض الفلسطينية .
أليس في ذلك مبالغة ؟. بالقطع لا. تلك هي خلاصات المعركة الجارية الآن في غزة ،وذلك
هو ما يظهر لكل متابع ومحلل للدلالات الاستراتيجية الكلية لما هو حادث الآن ،بل هو
أمر تحقق حتى لو سيطرت قوات الاحتلال الصهيونية على معظم اراضى غزة .
ولعل الأمر يمكن أن ينجلى ليظهر صحة ودقة هذا الاستخلاص ،اذا قارنا بين كل المعارك
والمواجهات الفلسطينية (ما بعد عدم مشاركة الجيوش العربية في المعارك ضد الجيش
الصهيونى منذ حرب اكتوبر 73 )..ومعركة غزة الجارية الآن .
في كل المعارك “الفلسطينية-الصهيونية” السابقة ،منذ العدوان على لبنان عام 82 ،كانت
الخلاصة الكلية ،هى أن القوات الصهيونية قد تمكنت خلال معاركها من التوغل لمساحات
واسعة خلال المعارك في وقت زمني قصير.وأنها حققت اهدافها السياسية من القتال والغزو
والاحتلال على المستوى التكتيكى المباشر ،وعلى المستوى الاستراتيجى الكلى .هى كانت
تحقق “انتصارا ” في عملياتها العسكرية المباشرة ،باخلاء المقاومة من المواقع التى
تسيطر عليها –كما حدث في لبنان مثلا-وبتغيير الأوضاع على الارض ،بما يغير حالة
الصراع بإنهاء دور “الخصم” في المنطقة محل المعركة ،وهو معنى تحقيق اهداف سياسية
واستراتيجية .بعد اجتياح لبنان في عام 82 ،اذ خرجت قوات المقاومة الفلسطينية من
لبنان ،كما غادرت القيادة الفلسطينية ذات البلد ،لتبدا مرحلة جديدة من الصراع ،لا
يوجد فيها تماس بين المقاومة وقوات العدو ،ومن بعدها بدات مرحلة من التنازلات
السياسية والاستراتيجية على الجانب الفلسطينى.والاهم هو ان القضية الفلسطينية كانت
بعد هذه المعارك ، تشهد تراجعا على صعيد المواقف الشعبية والرسمية في المنطقة
العربية ،التى كانت القضية على نحو ما ،هي المنطقة الأبرز في العالم الإسلامي التي
تمارس الصراع ضد الوجود الصهيوني.
واذا شئنا الخروج من تلك العموميات او من المراحل السابقة ،والوصول الى استخلاص
محدد يتعلق بحالة المقاومة ما بعد تنفيذ اتفاق اوسلوا ،فان التجربة الابرز للعمل
المقاوم التى يمكن مقارنتها بالوضع الراهن ،هى تجربة المقاومة مع الاجتياح الصهيونى
ما بعد فشل مفاوضت كامب ديفيد 2 التى جرت بين عرفات وباراك (كان رئيسا للوزراء
الصهيونى وقتها) .ان مقارنة ما جرى في التجربتين للمقاومة مع ذات الجيش الصهيونى -الذى
كان في حالة اجتياح واحتلال ايضا - هى ذاتها ما تجعل القول بالتطور النوعي في قدرات
المقاومة هو الحادث الان ،واننا امام تغيير حقيقي في توازنات الصراع الجاري حول
فلسطين ،وفق حالة الصراع بين المقاومة والجيش الصهيونى والفصائل الفلسطينية اجمالا
والكيان الصهيونى .
في الاجتياح الصهيوني للمدن والاراضى الفلسطينية بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد 2
،استخدمت القوات الصهيونية الطائرات ثابتة الجناح وطائرات الهليوكبتر والدبابات
،كما استخدمت الزوارق الحربية في قصف غزة –وقتها- حتى تمكنت من احتلال المدن
الفلسطينية ،ووصلت الى مقر قيادة الرئيس الفلسطينى عرفات وحاصرته لشهور طويلة ،الى
ان نفذت اليه لتغتاله بالسم .لقد جرى الهجوم في عدة أيام لم تطل ،ووقتها سطر
المجاهدون الفلسطينيين ملاحم في المقاومة ،كما توقف القوات الصهيونية طويلا دون
قدرة على احتلال مخيم جنين الذى شكل واحدة من أهم المعارك في هذا الصراع .لكن
القيادة الصهيونية كانت تمكنت من أحداث تغيير في السلطة الفلسطينية وتوجهاتها بعد
قتل عرفات ووصول محمود عباس الى قمة السلطة ،لنجد انفسنا امام رءيس للسلطةهو الذى
يهاجم ويطارد المقاومة وكل المنتمين لفصائها –بما ذلك شهداء الاقصى-تحت ظلال عودة
الجيش الصهيونى للسيطرة والاحتلال للمناطق التى كانت تسيطر عليها السلطة ،لتظل لا
تبرح مكان منها الا بعد دخول شرطة فلسطينية مهمتها الجوهرية هى مطاردة المقاومين
عسكريا وسياسيا وايداعهم السجون ،كما واصلت تلك السلطة لعبة المفاوضات التى سميت في
تلك المرحلة مفاوضات انابوليس .
لكننا في معركة غزة أمام وضع جديد كليا . الجيش الصهيونى اصبح ااشد خبرة واكبر عدة
وعتادا بعد تجربته في الاجتياح الأول للأراضي الفلسطينية وفي الحرب اللبنانية . كما
هو استخدم كل الادوات القتالية من طائرات مختلفة ودبابات ومدفعية -دخلت قيد
الاستخدام مع بدء العمليات البرية –يعنى اننا امام جيش اقوى مما كان في حالة
الاجتياح السابق.
وفي المقابل ،فإننا نجد ان المقاومة الفلسطينية في غزة ،تقاتل في هذه المعركة ضمن
حيز محدود ومحاصر هو قطاع غزة ،كما هى تقاتل ،بمجتمع محاصر ومحصور على كل المستويات
السياسية والاقتصادية والاغاثى والطبية ،كما أن المقاومة هي في وضع اضعف على مستوى
المساهمة في فعالياتها ،بعد أن لم يعد يساهم فيها كل الفصائل التي كانت تقاتل في
الاجتياح الصهيوني السابق ، حيث شهداء الأقصى لم تعلن مساهمتها في المعركة الجارية
وهى التنظيم العسكرى الذى يمثل القوة الثانية ان لم يكن الاولى على مستوى عدد
المقاتلين وتسليحهم (على الاقل خلال الاجتياح السابق ).
والخلاصة هنا ،اننا امام وضع افضل للجيش الصهيونى ،ووضع اضعف للمقاومة بالمقارنة
بما كانت عليه الاوضاع خلال الصراع ما بعد كامب ديفيد 2 ،خاصة اذا اضفنا الى ذلك ان
غزة ما تزال وحدها من يقاتل دون الضفة الغربية.
لكن وقائع المعركة –رغم كل هذه المعطيات –تشير الى تحقيق المقاومة نقلة استراتيجية
.
في وقائع العدوان، فقد احتاجت القوات الصهيونية الى اسبوع كامل من القصف بالطائرات
والزوارق الحربية وكاننا نتابع وقائع العدوان على العراق لا على غزة ،حين واصلت
القوات الامريكية قصفها لبغداد وبقية مناطق العراق حوالى الاسبوع قبل الدخول
بقواتها البرية الى قطاع غزة.وفي دخول القوات البرية فقد احتاجت القوات الصهيونية
لاستخدام مدافع الميدان ،كما ان الدخول والاجتياح لاراض غزة ،قد جرى وفق نظرية
احتلال الفراغ اولا ،اذ كل الطرق التى سلكتها القوات الصهيونية في توغلها داخل غزة
،كانت اراضى خالية من السكان ومن مواقع المقاومة التى لا تقيم قواعدها –وفق نظرية
عمل المقاومة في كل أنحاء العالم –في مناطق الفراغ السكاني ،والا تعرضت للابادة تحت
قصف الطائرات والدبابات والمدفعية.كما يلاحظ ان القوات الصهيونية قد احتاجت الى
وقفة تعبوية بعد اليوم ال



















